الأعداد السابقة

الساعة السليمانية

كالموجة تهشمت على الصخر وصل الأستاذ بحر من وظيفته جريحا مقوس الظهر يحمل كيسا من البلاستيك في يده ويحمل كبرياءه المطعون على قفاه ويبحث عن مرساة يشد بها حزن قلبه الثقيل الذي استقرت في أعماقه طعنة نجلاء تلقاها عند الصباح بعد ارتطام كارثي بامرأة رغم أنها صنعت من الجليد إلا أنه كان لديها جسد نحيل وعينين لؤلئيتين ومشية ناعمة تزخر بدلال فتاك!.
صفق على نفسه الباب الخشبي وتخلص من الحمل الزائد على ظهره راجما على أريكته المهترئة شابا برزخيا يبدو بين الحياة والموت تركه عليها ثم قذف بعينيه ناحية النافذة الفسيحة التي ظلت دائما شاشته العملاقة والتي كان بمقدوره دائما الإطلالة من خلالها على فكرة انتحار جاهزة وشاهقة وفورية.
استقام الأستاذ بحر واقترب من نافذة الخلاص.. وفي لحظة ضعف أخرج رأسه منها وجعل يطالع السماء بغيظ وإذا به على نحو كارثي يقفز نحوها بشتائمه ويهاجمها بوجه متجهم وعينين صخريتين انفجرت عنهما اثنتا عشرة عينا متوثبة للبكاء.
لبث الأستاذ بحر واقفا على هذه الحال تعبث به الأفكار السوداء وتجيء به خواطر الرغبة الجارفة في التخلص من كل شيء بنطة واحدة إلا أنه سرعان ما عاد ليستوي على الأريكة وبدا أفضل حالا مما سلف .. شهق نفسا طويلا ثم قذف يده إلى الطاولة التي أمامه وتناول الكيس البلاستيكي استخرج منه كيسا أصغر منه كان مليئا بأغصان طرية من «القات» الفاخر ابتاعه لدى عودته من سوق اللصوص بعد أن بذل في مقابل ثمنه حرص سبع سنوات عجاف ومصروف أسبوعين على الأقل .. وسريعا راح يحشر وريقات القات بين أسنانه ويقضمها بغل وهو يدمدم : «هذه تماما في عينيك الحلوتين يا منال» «وهذه العضة تستحقينها أنت في شفاهك يا منال».
مرت ساعة وبحر هكذا في مزاج العاصفة العمياء ثم إنه وعندما أنجز على نصف الكمية في الكيس التفت إلى طيفه على زجاج النافذة وخاطبه معاتبا : «ماذا بك تكلفني فوق ما أطيق؟ هيا انهض فحان وقت سفرنا إلى عالم آخر نسرح فيه عن أنفسنا ونكتشف عالما آخر بعيدا عن هذا الدنيء الذي يشبه منال».
وفي غضون لمحة بالبصر نط من تلك النافذة جسد تدحرج في الهواء وهوى إلى الأسفل بسرعة وإذا بمخلوق أسطوري غريب لم يشاهد مثله بحر سوى في القصص المصورة أخضر اللون لا هو حصان ولا هو نسر وإنما شيء بين هذا وذلك ينتزعه من الهواء وينطلق به بسرعة البرق في عنان الفضاء كما يحدث دائما في مثل هذه الظروف الصعبة .. حلق به الطائر على ربوة الجبل المطل على المدينة وإذا به هو الآخر يثور على قشوره الحجرية فيشقق كبيضة عملاقة تمخض عنها ديناصور أخضر اللون أيضا كان نائما واستفاق لتوه .. حدج الديناصور الأستاذ بحرا يحوم فوقه فثارت ثائرته وجعل يهاجمه بأسنانه وتارة أخرى بذراعيه التي اقتلعهما بصعوبة من بين الصخور.. وعلى هذه الوتيرة ظل بحر يعبث مع الديناصور العظيم وكان يركض خلفه ويدهس على البيوت والعربات في الشوارع وكان في واقع الأمر يستدرجه فقط ليهدم به عمارة تسكن فيها زميلته السكرتيرة .. اسمها «منال» ولسوء حظه لم يكن له من اسمها نصيب.
كان ذلك المخلوق الخرافي يختصر لبحر الزمان والمكان بسرعة لا يمكن قياسها سوى بوحدة الجنون الهستيري .. ترك بحر المدينة تحت أقدام ذلك الديناصور إلا أنه بعد دقائق جعل يتلفت خلفه بقلق وتأنيب ضمير واكتشف لحظتها أن في بطن كل جبل صابر ينام ديناصور مروع ينتظر فقط من يوقظه للدهس والتحطيم وأنه وهو البحر في أحشائه الدر والياقوت إلا أنه لابد ثمة ظلام في أعماقه.. الظلام حبس ينام في بطنه حوت عظيم.. ولو ترك البحر الحوت طليقا لفتح فمه وبدأ بالتهام كل شيء من حوله ولن يتوقف إلا وقد التقم زرقة الماء وابتلعها بأكملها في أعماقه الضحلة.
وهكذا هزم الأستاذ بحر ملوحته وحزم نواياه القاحلة ورمى بها بعيدا خارج الخارطة.. أعاد المدينة لسيرتها الأولى ثم انطلق يتسكع في عرصات الكون يقتحم العوالم السبعة ويتمتع بمفاتنها وعجائبها حيث كان يخترق قارتين في ثوان يسيرة إذ أنه بتلك السعة كان كل شيء مخدر تماما ولا يقوى على الحراك لهول سرعة مركبه الخيالي الأخضر فلم يكن يطيق مجاراته أو مواكبته شيء سوى حصرم الضوء المنبعثة عن أمها الشمس التي بسبب مضايقات بناتها لبحر دفعت الثمن غاليا بعد أن لقنها درسا لن تنساه.
سبعة أشواط حولها شعرت الشمس بالصداع من دوران بحر باتجاه عقارب الساعة أحست بعدها بالإرهاق وما هي إلا سويعات حتى انتابها الغثيان وتقيأت نصف ذلك اليوم التعيس من حلقومها ولفظته حتى استقر في قاع النسيان وأخيرا بعد أن حاولت الصمود فقدت توازنها وغطست بكامل قطرها في فم السديم البهيم.
بعدها عرج بحر على القمر وأجرى معه نفس الحيلة ليتخلص من النصف الآخر لخزي ذلك اليوم الكارثة ولكن بلا جدوى هذه المرة فقد كان ذلك العرجون هو الآخر من الأساس غارقا في خيبته وهمومه حيث كان شاردا مغموما مشدوها بفتاة أفريقية سمراء أثارت عجبه ولم يفهم كيف لوردة أفريقية كل هذا النفوذ الخارق وهذه القدرة على ترجمة سر جمال الأرض بهذه الطلاقة وكيف استطاع هذا الكون أن يشرح له بسهولة تعريف الجمال وتلخيصه بكل بساطة في امرأة واحدة .. واحدة وحسب!
ثم إن بحر يئس من القمر وتنهد حسرة عليه وتركه يهيم في بحره اللجي ثم أقلع باتجاه الفضاء الخارجي الشاسع المتراكمة نجومه ومجراته يسابق شهبه الملتهبة ويتحدى عواصفه وأمواجه الغوغاء ويسأل كل نجمة عن اسمها الحقيقي بعد أن أخذ منها ميثاقا مغلظا بأن تشطب من ذاكرتها الضوئية سيرة هذا اليوم الشمسي التعيس على أن يعاهدها بألا يفصح لمعشر البشر -الذين تمتعض النجوم منهم غيضا وكمدا جراء همجيتهم ولأنهم بدون وجه حق أطلقوا على ما يمكنهم رؤيته منها أسماءهم وكنياتهم السمجة مع أن لدى كل واحدة منها اسم رائع لا ولن يعرفونه يطرب له السمع ويثمل به الخاطر.
ثم عاده الشوق وهكذا عاد بحر مجددا إلى الكوكب الأزرق الذي ينتمي إليه يشاكس تفاحة الجاذبية ويتسلى مع الطيور في قمم المرتفعات الشامخة وتارة يغوص في أغوار المحيطات السبعة ثم يؤوب ليعتلي السحب والجبال والهضاب الخضراء والبيضاء والصفراء من جديد.. وفي أحشاء المحيط الهادي تعرف على حورية من بنات الأعماق شعرها ذهبي وجمالها استثنائي وابتسامتها تنحر الفؤاد علاوة على أنها أجمل من منال سبعين ألف مرة.. قضى بحر بصحبتها دقائق معدودات ومع هذا ستخونه اللغة في وصفها كما يليق.. أغرمت به تلك الحورية من النظرة الأولى ثم إنها حين لم تستطع معه صبرا قبل رحيله قبلته من أعماقها ومع أنها لحظات وجيزة من العمر إلا أنها بالنسبة لبحر كانت أروع لحظات حياته رومانسية وأمتع ذكرياته على الإطلاق.
في نهاية الرحلة الشاهقة عاد بحر إلى متكئه لمزاولة وحدته المديدة يلوك وريقات القات في فمه ويطالع الوردة الحمراء الحزينة فوق الطاولة .. الوردة الوحيدة التي اقترفها لأول مرة في تاريخه الخجول ذات يوم .. احم .. أقصد ذات يوم منسي بالتأكيد ومشطوب نهائيا من التقويم كلية .. حين انتهى بحر من تأمل الوردة الذابلة ابتسم بسخرية وهو يلعن اليوم البغيض واللحظة الحمقاء التي قرر فيها أن ينتظر على الممر مخلوقة عابرة من عصر جليدي بارد لا تعرف شيئا عن سخونة المشاعر الإنسانية ولا تجيد مثله التحدث بلغة الورود الجميلة .. وتحسر كثيرا لأنه أهداها شيئا رائعا لا تستحقه لأنها لا تعي معناه ندم لأنه قال لها وهو يناولها الوردة قبيل أن تسحقها :
«ليتك تعلمين كم أحبك يا منال».

حول الموقع

إل مقه - نادي القصة اليمني