مقتل وزير غرناطة (1)

الأندلس تلك البقاع النضرة، والفردوس الأشم، وحضارة دامت ثمانية قرون غابرة عامرة, وغرناطة هي آخر معاقل العرب، وفي هذه المدينة السامقة نشأ وزير غرناطة، وكاتب البلاط الأول, وهو كما قيل كاتب في الأرض إلى يوم العرض، وقد جمع ببن الملكتين الشعر والنثر.
وهو ذو الوزارتين محمد بن عبدالله بن سعيد السلماني اللوشي, الغرناطي, الأندلسي الشهير بابن الخطيب, وسبب تسميتة بابن الخطيب يعود لجده سعيد وكان خطيباً مفوهاً اشتهر بالخطابة وسمي بالخطيب, ومنه انتقل إلى أسرته, واشتهر بها من بعده حفيده لسان الدين.
وقد ولد في الخامس والعشرين من شهر رجب الحرام سنة713هـ, في مدينة لوشة, على مرحلة من مملكة غرناطة من جهة الشمال, وليس كما قال الزركـلي أنه ((ولد ونشأ بغرناطة وتبعد لوشة عن مملكة غرناطة حوالي تسعين كيلومتر. وقد نشأ لسان الدين في المدينة التي أحبها, وصنف باسمها كتابه الفريد الموسوم بــ (الإحاطة في أخبار غرناطة), وسيأتي الكلام على هذا الكتاب عند ذكر مؤلفاته.
أما أصل لسان الدين فيعود إلى اليمن من قبيلة مراد في مأرب العاصمة التاريخية لدولة سبأ, وليس بصحيح ما قاله جورجي زيدان أن أصل لسان الدين ((يعود لأسرة شامية نزحت إلى الأندلس))
وفي دائرة المعارف قال سيبولد: ((السلماني نسبة إلى حي من مراد من عرب اليمن)) .
وقد ذاع صيت صاحب الترجمة, وفاق أقرانه في غرناطة خاصة وفي أرجاء الأندلس عامة, وذلك في سائر الفنون. وقد((تخرج على علمائها في علوم اللسان والشريعة والفلسفة والطب والرياضة والتاريخ, وبذَّ في ذلك معاصريه ومناظريه من أدباء الأندلس)).
لمحة من حياته السياسية

كان لسان الدين على غاية من الذكاء والفطنة شأنه شأن البلغاء الذين استطاعوا الوصول إلى أرفع المراتب, ولسان الدين كذلك استطاع أن يصل إلى الحظوة عند سلطان غرناطة الشهير بأبي الحجاج يوسف, حيث قلد لسان الدين الوزارة, بعد شيخه الشاعر ابن الجيَّاب الغرناطي, وأطلق له العنان في تسيير واختيار عمال الدولة, وقلدة سره واستعمله في السفارة إلى الملوك, وفي عام 755هـ , كان حدوث مقتل السلطان يوسف بن إسماعيل وهو في الركعة الأخيرة يوم عيد الفطر, وبويع خلفاً له ابنه محمد الخامس الغني بالله, الذي أقر ابن الخطيب في الوزارة كما كان لأبيه.
ولكن سرعان ماتبدلت الأحوال على لسان الدين, حيث تم خلع السلطان الغني بالله, وصارت الغلبة والولاية لأخيه إسماعيل بن يوسف, وسرعان ماتقبض السلطان المنقلب وقام باضطهاد لسان الدين وصادر أمواله, حتى جاء الخلاص للسان الدين بشفاعة, من ملك المغرب أبي سالم بن أبي عيان, واستطاع لسان الدين اللحاق بسلطانه المخلوع إلى مدينة فاس , ولقي السلطان المخلوع ووزيرة الحفاوة البالغة, وهناك في البلاط الفاسي أنشد لسان الدين وفاءً بذلك الاحتفال العظيم قائلاً:

قصَدْناكَ ياخَيْرَ المُلُوكِ على النّوى
لتُنْصِفَنَا مِمّا جَنَى عبدُك الدّهْرُ
كفَفْنَا بِك الأيامَ عن غُلوَائها
وَقَدْ رَابَنَا مِنْها التّعَسف والكِبْرُ

وكان من جملة من حضر ذلك الحفل الكبير صديقه المؤرخ العظيم عبدالرحمن بن خلدون, الذي وصف ذلك الإلقاء من لسان الدين قائلاً: ((أن ابن الخطيب أبكى سامعيه تأثراً وأسى))
ودارت الأيام بأحداثها, حتى تبدلت الأحوال, وفي سنة 763هـ عاد السلطان محمد الغني بالله إلى عرش غرناطة, وابتسمت الوزارة من جديد للسان الدين, وقام السلطان الغني بالله باستدعاء وزيرة من فاس , وقلده وزارته للمرة الثانية, وعلا شأن صاحب الترجمة, وكان نبوغه وتفوقه على أقرانه أشعل ناراً متضرمة جاثمة في قلوب حساده, وظهر شررها وأحس لسان الدين بلفحتها, وحين وجد ابن الخطيب الخطر قد أوشك أن يطاله منهم, وجد أن من الحكمة هو اختيار السلامة له, وذلك في مغادرة الأندلس إلى الأبد, وتطلب ذلك الأمر خطه تخلصه من حبال أهل الوشاية الخانقة. وكانت تلك الخطة بدأها لسان الدين باستئذان سلطان غرناطة الغني بالله, وذلك في القيام بتفقد الثغور الغربية, وبعد أخذ الإذن سار ابن الخطيب باستكمال خطته, حيثُ سار بصحبة أحد أبنائه وبعض الجند من خاصة الفرسان, وكان ابن الخطيب قد نسق مع سلطان المغرب عبدالعزيز المريني, وحين شعر ابن الخطيب الود من سلطان المغرب, اتجه إلى جبل طارق الذي كان تحت أملاك بني مرين, حيث أصدر سلطان المغرب أوامره باستقبال ابن الخطيب, ونقله هو ومن معه عبر السفن التي جُهزت لذلك.
وقبل أن يغادر جبل طارق, أرسل إلى سلطانه محمد الغني بالله رسالةً مُبكية, يوضح فيها سبب هروبه واختياره الذي اضطر له, وهو الخروج عن الأندلس, وفيها يلتمس من سلطانه الرعاية لأسرته وبدأ رسالته بأبيات قال فيها:

بانوا فمن كان باكياً يبكي
هذى ركاب السُّرى بلا شكِ
فمن ظهور الركاب مُعملة
إلى بطون الربى إلى الفلكِ
تصدع الشمل مثلما انحدرت
إلى صوب جواهر السِّلكِ
ثم سال قلم ابن الخطيب ناثراً يخاطب به سلطانه الغني بالله قائلاً : ((مولاي كان الله لكم, وترك أمركم, أُسلم عليكم سلام الوداع, وأدعو الله في تيسر اللقاء والاجتماع, من بعد التفرق والانصداع, وأقرر لديكم أن الإنسان أسير الأقدار, مسلوب الاختيار, متقلب في حكم الخواطر والأفكار, وأنه لا بد لكل أول من آخر, وأن التفرق لما لزم كل اثنين بموت أو في حياة, ولم يكن منه بد, كان خير أنواعه الواقعة بين الأحباب ما وقع على الوجوه الجميلة البريئة من الشرور))
وعاش ابن الخطيب رِدحاً من الزمن في كنف البلاط المريني, وحماية السلطان عبدالعزيز, ولكن ذلك الجناح الحامي للسان الدين أتاه الحمام في سنة 774هـ, وانتقلت ولاية الحكم إلى ابنه القاصر السعيد.
وغادر لسان الدين تلمسان ذاهباً إلى فاس بصحبة الوزير أبي بكر بن غازي, وظل فترة يرفل في نعيم من العيش, وكسب كعادته الدور والضِياع.
ولكن خصومه لم يدعوه وشأنه إذ بلغ بهم الحقد مبلغاً كبيراً, واستطاعوا أن يوغروا صدر السلطان الغني بالله على لسان الدين, فكان لأهل الوشاية ما كان, وبلغت بهم القسوة بالتصدي لمؤلفات لسان الدين, وقاموا بدم بارد وبفتوى من القاضي أبي الحسن النباهي, بإحراقها في غرناطة في منتصف سنة 773هـ.
وجعلوا سلطان غرناطة الغني بالله شخصياً, أن يوعز للوزير ابن غازي بتشريد لسان الدين ونفيه, لاعتقاده أنه كان يحرض السلطان عبدالعزيز على غزو الأندلس. ولكن الوزير ابن غازي أبى ذلك, حتى قامت ثورة تزعمها أحمد بن السلطان أبي سالم, ونجحت تلك الثورة, وكل هذه الأحداث المتسارعة لم تكن أمنة على لسان الدين, وانتهى به المطاف إلى السجن, ومن ثم إلى القتل كما سيأتي.
إلى هنا ذكرنا لمحة من حياة لسان الدين السياسية, ونعرج إلى حياته الأدبية المتمثلة في كتاباته, ونثره ,وشعره.
كتابات لسان الدين
لا شك أن لسان الدين بن الخطيب يتمتع بشخصية فريدة ظاهرة في سائر كتبه ورسائله. وذلك من خلال الأسلوب السائد فيها كثرة السجع, مع إطناب جارف قد يحد من نشاط القارئ في متابعة القراءة في أسفاره, وهذا ليس في جميع مصنفاته كما سيأتي.
أما منهج السجع في كتاباته, كما هو شأن كُتّاب الأندلس فأترك المجال لكبار الأدباء في اطلاعنا على تلك المنهجية, يقول الأستاذ أحمد أمين عن كتابات لسان الدين ما يلي: ((كان عالماً... وكان واسع العلم بالتاريخ, وألف في علماء غرناطة كتابه (الإحاطة) وله رسائل أدبية وسياسية تتصف بالإطناب والتزام السجع حتى تمل))
وقال الأديب الأستاذ أحمد حسن الزيات : ((لسان الدين كاتب مطبوع على السجع سائر في صناعته مع الطبع, يذهب إلى الإطناب في رسائلة شأن كُتّاب الأندلس ... والنثر في الأندلس مبنى الخيال ... وقل أن تجد فيه السائغ المقبول لتكلفهم السجع))
وقال الدكتور شوقي ضيف : ((وقدكان لسان الدين أبرع كاتب أخرجته الأندلس في عصورها الأخيرة حتى قيل: إنه كاتب الأرض إلى يوم العرض ... وإذا كان لسان الدين لم ينجح في حياته السياسية فقد نجح نجاحاً عظيماً في حياته الأدبية ... وأنه من يرجع إلى رسائله يجدها تمتاز بالإطناب المسرف, وما يطوى في هذا الإطناب عادة من لفٍ ودوران))
وقال الدكتور أحمد ضيف : ((فكانت كتاباته لا تخلو من مللين : ملل الإطالة وملل السجع))
هكذا تحدث الأدباء الكبار على منهج لسان الدين في كتاباته, ويتضح من ذلك اتفاقهم على نقد تلك المنهجية, إلا أن الأستاذ أحمد أمين يرى في كتاب الإحاطة للسان الدين رأي مغاير حيث قال :((قد ترجم فيه لكل علماء غرناطة وفضلائها ترجمة أدبية يسودها السجع))
وفي ما قاله نظر, إذ لوكان السجع يسود كتاب الإحاطة, فماذا كان سيقول عن كتاب (ريحانة الكُتّاب ونجعة المُنتّاب) إذ السجع فيه من الدفة إلى الدفة في الجزء الأول ومثله الثاني على السواء, ولذلك قال الدكتور شوقي ضيف : ((وقد نهج لسان الدين في هذه الكتب نهج السجع, وإن كان لا يلتزمه دائماً على نحو ما نعرف في كتابه (الإحاطة) وهو مطبوع قلما يسجع فيه)), وهذا القول هو الأصوب, فما على القارئ إلا الرجوع لكتاب (الإحاطة), إن أراد ذلك.
لسان الدين مقارنة بابن بسام والفتح بن خاقان
يرى المستشرق الإسباني آنخل جنثالث تقديم ابن بسام والفتح على لسان الدين حيث تحدث عن أسلوب لسان الدين في كتابه (الإحاطة) قائلاً :((أسلوبه فيه مرصع فخم, وإن كان لا يصل في هذا الباب إلى شأو ابن بسام وابن خاقان)).
لا يخفى على من طالع كتابي ابن خاقان (القلائد), و(المطمح) وما فيهما من التفخيم والترصيع, كما أن أبا نصر بن خاقان معروف عنه التمادي, والإسراف في مدح من لا يستحق المدح, ويهجو من لا ينصاع لرغباته وأطماعه, بل نرى ابن خاقان يتلون تلون الحرباء في كتاباته, حيث ينقض قوله من كتاب لآخر, ومن اطلع على كتاب (القلائد), وخاصة ترجمة الفيلسوف الوزير أبو بكر بن باجة, سيجد ترجمة فيها إجحاف وتعسف, وهذه الترجمة جعلها ختم كتابه القلائد ومنها قوله : ((هو رمد جفن الدين وكمد نفوس المهتدين, اشتهر سخفاً وجنوناً... وهجر مفروضاً ومسنوناً... ناهيك عن رجل ما تطهر من جنابة ولا أظهر مخيلة انابة ولا استنجى من حدث)) هذا وابن باجة من نبلاء الفردوس المفقود, وهو من علماء الفلسفة والفكر, وحين طلب ابن باجة من الفتح الكف عنه بعد بذله العطايا للفتح سَرعان ما تبدلت الترجمة من ذم إلى مدح , وقد ترجم ابن خاقان لأبي بكر بن باجة ترجمة أخرى في كتابه الآخر (المطمح) وفيها الثناء الباهر والمدح العاطر, يقول ابن خاقان : ((الوزير أبو بكر الصائغ هو بدرُ فهم ساطع, وبرهانُ علمٍ لكل حُجةٍ قاطع)) وابن باجة يستحق الثناء بدلاً ممن هم أدنى منه منزلة وعلماً من الخاملين الذين رصع لهم ابن خاقان العبارات المنمقة تبعاً لمصلحته واشباعاً لرغبته.
ولله در ياقوت الحموي حين تحدث عن ابن خاقان قائلاً: ((فكل من أرضته صِلتُهُ أحسن في كتابه وصفَهُ وصِفتهُ, وكل من تغافل عن برِّه هجاهُ وثلبَهُ))
هذا وبين ابن خاقان ولسان الدين مفاوز لا يدركها ابن خاقان. أما ابن بسام الشنتريني فهو أعلى كعباً من الفتح, ويعد من المؤرخين الأدباء, وفي كتاباته تجد الألفة والمصداقية في تراجم كتابه الماتع الذخيرة, وهو مع ذلك لا يفوق لسان الدين علماً وشعراً ومركزاً وتصنيفاً, وتجد في كتابات لسان الدين ((تعابير وألفاظ, قل أن وقع لأحد من كُتَّاب الأندلس في استعمال مثلها ولا سيما المعاني المبتكرة والتراكيب البارعة))

حول الموقع

إل مقه - نادي القصة اليمني