ديوان زهرة الحرب.. بين الهامش والمتن واستدعاء التراث

بين الفكرة ولحظة الكتابة مساحةٌ يجب على الشاعر/ة فيها أن يتجرد من وعيه، ويغيب كي يكتب انفعالاته بلغة الفطرة القادمة من أعماقه، وله بعد ذلك أن يقوم بتشذيب ما يكتب، ولعل الفكرة في ديوان زهرة الحرب للشاعرة/ إيمان حميد كانت حاضرةً في اللاوعي المخطط له، وفي الوعي المتجرد من كل شيءٍ إلا من الفكرة؛ لهذا جاءت أولى قصائد الديوان:

كنت فكرةً في رأس العدم

سمعت نداءً

يا إيمان.. « كوني فكنت».

وبين عدمية المكان التي اختبأت فيه ظلت الشاعرة تطارد تلك الفكرة الحلم، وتبحث عنها تحت أنقاض مشاعرها التي أفسدتها الحرب؛ فنجدها في قصيدة (نذير) تقول:

الفكرة أغوتها الحرية فهربت معها

ومن هنا تبدو القصيدة المخطط لها جليةً للقارئ، وتظهر قصائد الديوان وكأنها حرائقٌ متناثرةٌ خَلّفها القصف، كما أن استخدام مفردة الغواية إشارةٌ واضحة إلى أن الحديث عن الحرب لم يكن لمجرد الحديث؛ وإنما هو واقع حال تعيشه الشاعرة وتشكو منه، وها هي تبحث عن الفكرة الأنثى التي أغوتها الحرية الأنثى كي تكتب القصيدة الأنثى، غير أن ذلك لن يتأتى في زمن القتال الذكوري على السطلة الأنثى:

كنت فكرةً في خيال البطل

أو ربما كنت طائراً ملوناً يحطُّ على قلبه

أو أغنيةً يتمنى لو يُسمعها حبيبته

لهذا ظلت الشاعرة في كل قصائدها تبحث عن الفكرة الحلم:

السكون

حياةُ فكرة تتأرجح

تنتظر كن لتكون

لقد رسمت أفكار قصائد ديوان (زهرة الحرب) أشكالاً بيانيةً تشير بوضوح إلى أن الشاعرة كتبت في اللحظة الواعية الكثير من قصائد الديوان؛ فالشطر الأول من القصيدة الأولى يوضح أنها كانت فكرةً في رأس العدم ، في حين أن عنوان القصيدة الثانية كان (هامش) وهو ما يؤكد أنها قامت برسم المسار الآتي:

العدم ــــــــ الفكرة ــــــــــ الهامش.

ولكن هذا المسار العمودي لا يصل إلى المتن، فالأنثى في زمن الحرب تبقى هامشاً والرجل هو المتن (متن الحرب التي تكرهها ،ومتن الحياة التي تحلم بها):

انظر هناك لن تجد شيئا

إلا نظرة تعبر المدى باتجاهنا

لترى اللاشيء المكتظ هنا

إنها اللاشيء المكتظ في هامش الحرب والحياة لهذا جاء الخطاب ذكوريا (انظر هناك) وهي إشارة ذكية وإيحاء صريح بأن الرجل البطل لا ينظر إلى من حوله، فهو ينظر ويتطلع إلى هناك إلى السلطة الأنثى متناسيا الحبيبة اللاشيء الموجود بجواره.

غير أن الشاعرة حين فكرت في تجاوز المسار العمودي (الهامش) الذي رسمته من خلال العدم، الفكرة، الهامش، قامت برسم خطٍ أفقيٍّ مترامي الأطراف لعلها تستطيع أن تتشبث به لتصل إلى المتن، ولكن هذا الخط ظل يفصلها إلى ما لا نهاية عن المتن والحياة، وقد جسدت الشاعرة ذلك الخط بخمس قصائد حملت عنوانا واحدا هو: (إلى صديقي في المدينة البعيدة) بالإضافة إلى العديد من القصائد التي حملت أسماء ذكورية: (عبدالوهاب – نذير _ الرجل الكثير – عبدالسلام.... الخ) وتقابلها القليل من القصائد التي تحمل عناوين مغايرة ولعل أهمها قصيدة (أنوثة) إنها تبحث عن المدينة البعيدة التي لا يفصلها عنها سوى الخط الفاصل بين الهامش المهمش كونه أنثى، وبين المتن المتسلط مع اختلاف أسمائه وصفاته بين الرجل والموت والقصف وغيره:

موتي صديق لدود

يزورني كلما مات صديق

إيها الموت. اين اسمي في التسلسل والقائمة بالأبجدية

ومن هنا يظهر حجم الحب الذي تحمله الأنثى للآخر رغم وجود الفجوة القائمة بين الشاعرة الأنثى ولغتها الأنثى وقصيدتها الأنثى وبين أصدقائها الذين تعددت صفاتهم وأسماؤهم والموت أحد أولئك الأصدقاء:

جدائلك

سكب يتيمٌ فيها شكواه إلى الله

يا أروى

حزن الأيتام جدائلك

لا تتباهي بالأحزان

ثوري لأجل الله

وكوني القصيدة لمن يخشى الهجاء

وفي هذا المقطع يظهر الشكل البياني جلياً فالأنثى الواقفة في الهامش رأسها أقرب ما يكون إلى الخط الفاصل بينها وبين أصدقائها في المدينة البعيدة، والأيتام الموجودون هناك يسكبون شكواهم إلى الله فوق جدائل أروى بعد أن سحقتهم الأقدام:

لا جدوى

صوتي بلا مدى

المرايا والصور القديمة وصفحة الماء وأحداق العيون

جَمعتُ عليها كل وجه إلا وجهي

الجدير بالذكر أن ديوان (زهرة الحرب) يمتاز بالاستدعاء الواعي للتراث بأشكاله المختلفة، وسوف أتناول قصيدة (توبة) كنموذج لذلك:

لي من هواه

تنهيدةٌ لو اطلقتها ثارت براكين الأرض

من حولي وسعرت الجحيم

وهو استدعاء لبعض أغاني المرأة الريفية:

«شليت نهده شقت السما عرض

لو هي جنابي لا تفجج الأرض

شليت نهده والحبيب ثناها

لما اكسفت الشمس في سماها»



لي من هواه

فراسة المؤمن لا يلدغ مرتين

وهو استدعاء لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم:

(لا يلدغ المؤمن من جحرٍ مرتين)

لي من هواه

بابٌ مغلقٌ في وجه الريح والنسيم

وهو استدعاء للمثل القائل:

(الباب اللي يجيك منه الريح سده واستريح)

لي من هواه كفى

وهو استدعاء للكثير من القصائد ولعل أهمها قصيدة المتنبي:

كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا وحسب المنايا أن يكن أمانيا



لي من هواه

خوف على العشاق بعدي

وهو استدعاء لقول نصيب بن رباح حين أنشد بين يدي سكينة بنت الحسين بن علي:

أهيم بدعدٍ ما حييت فإن أمت

فيا ويح قلبي من يهيم بها بعدي

فقالت له :

مت والصعاليك أمثالك كثر

ونحن لنا من هذا الديوان أننا وقفنا بين يدي شاعرة تكتب بالضوء والعطر.



حول الموقع

إل مقه - نادي القصة اليمني